قد أبدا هذا التقرير بما قد يعيق الصياغة الصحفية السليمة، وهي أنني سأستعيذ بالله من كل مكروة، فبين الحين والآخر تنتشر مقاطع الرعب على مواقع التواصل، ومنها قصة عن امرأة اعتادت أن تضع كاميرا مراقبة في غرفة نومها كل ليلة، بسبب إحساس غريب يلازمها بأنها «تنهض من النوم وهي مراقبة»، وكأنها لم تنم فعلًا رغم مرور ساعات الليل كاملة، وتقول الحكاية إن الكاميرا سجلت في إحدى الليالي مشهدًا مرعبًا، نعم، اللحاف ينسحب ببطء من فوق السرير، ثم جسدها يتحرك قليلًا كأن شيئًا غير مرئي يجذبها من قدمها وهي نائمة تمامًا لا تشعر بشيء، والأغرب من ذلك أن المرأة روت أنها كانت في تلك اللحظة تحلم أن أحدًا يهمس باسمها من آخر الغرفة، ولما استيقظت وجدت نفسها فعلًا في وضع مختلف تمامًا عن مكانها الأصلي على السرير قبل أن تنام.
اختفاء دون مبرر
يقول من يروون هذه القصة إن المقطع اختفى بعد فترة قصيرة من انتشاره الواسع، لكن الحكاية بقيت متداولة حتى اليوم بين عشاق مقاطع الرعب، ويصفها كثيرون بأنها من «أكثر فيديوهات كاميرات المراقبة رعبًا» على الإطلاق، لأن ما ظهر فيها لم يكن واضحًا بالمرة، لكن الشيء الذي تحرك كان حقيقيًا تمامًا في نظر من رواها ومن شاهدها.
اقرأ أيضًا.. منح يونيكاف بقيمة 50 مليون جنيه| طريق مصري نحو الماجستير البريطاني.. رابط التقديم
وقبل أن نخوض في ضرورة التحصين، يجب أن نقول ما يردده علينا ضميرنا، وهذا بخصوص حقيقة الفيديو أو ما يشبهه، فهذه القصة لا تحمل أي عنصر تحقق يمكن الاستناد إليه أو التأكد منه، لا اسم للمرأة، ولا مكان محدد، ولا تاريخ دقيق للحادثة، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم أن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا، لكن التفسير الصحيح، أن يكون مغلقًا بذكر الله.
بل حتى الفيديو الذي يفترض أنه «الدليل» الوحيد على وقوع الحادثة يقال إنه اختفى تمامًا من الإنترنت بعد فترة قصيرة من انتشاره،ووهذا بالضبط هو الشكل النمطي المتكرر لما يعرف في ثقافة الإنترنت باسم «الكريبي باستا»، التي بدأنا بها عنوان التقرير، وهي حكايات رعب يكتبها مستخدمون مجهولون الهوية.
ثم تنسخ وتعاد صياغتها آلاف المرات على صفحات وحسابات مختلفة بتفاصيل متغيرة بسيطة، حتى تكتسب مع مرور الوقت طابعًا يوحي بالواقعية والمصداقية، رغم أنها في الأصل قصص متخيلة بالكامل لا تستند إلى أي حادثة موثقة أو مصدر إعلامي معروف.
ولا يعني هذا بالضرورة أن كل ما يشعر به الإنسان في نومه، من كوابيس متكررة أو إحساس بالخوف أو ثقل غريب أثناء النوم، مجرد خيال لا قيمة له على الإطلاق، فهذه الأحاسيس معروفة طبيًا ولها تفسيرات علمية واضحة مرتبطة بمراحل النوم واضطراباته المختلفة، مثل ما يعرف بـ«شلل النوم».
وأيضًا هناك تفسيرات روحانية، لكن الفارق الجوهري أن هذه القصة تحديدًا، بتفاصيلها الدرامية المتكاملة من كاميرا مراقبة واختفاء غامض ولحاف ينسحب من تلقاء نفسه، تبدو مصممة بعناية لتخويف المشاهد وجذب المشاهدات أكثر من كونها سردًا أمينًا لواقعة حقيقية حدثت بالفعل.
التحصين.. ضرورة بعيدًا عن حقيقة الفيديو
سواء صدق الإنسان مثل هذه القصص أو لم يصدقها إطلاقًا، يبقى الشعور بالقلق قبل النوم أو الخوف من الظلام أو الوحدة أمرًا إنسانيًا مشتركًا مر به كثير من الناس في مراحل مختلفة من حياتهم.
وقد جاء ديننا الإسلامي الحنيف بعلاج عملي وواضح لهذا الشعور، علاج لا يصفه الطبيع، ولا يعتمد على مزيد من التخويف بل على غرس الطمأنينة في القلب، من خلال أذكار وأدعية ثابتة عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم يحصن بها المسلم نفسه قبل النوم وفي كل وقت من يومه وليلته.
وفمن أعظم هذه الأذكار عزيزي هي قراءة آية الكرسي قبل النوم، وهي الآية رقم 255 من سورة البقرة، وقد ثبت في «صحيح البخاري» عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بأن من قرأ آية الكرسي عند نومه فلن يزال عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح.
كما يستحب قراءة آخر آيتين من سورة البقرة، وهما قوله تعالى، آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه، حتى ختام السورة، إذ ورد في الصحيحين عن أبي مسعود الأنصاري البدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما في كل ليلة كفتاه، واختلف العلماء في معنى «كفتاه»، فقيل كفتاه من كل سوء وآفة في تلك الليلة، وقيل كفتاه عن قيام الليل، هذا ما نقلناه من مصادرنا، والله أعلى وأعلم..
ومن الأذكار الثابتة أيضًا في الصحيحين قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين، أي سورتي الفلق والناس، ثلاث مرات كل ليلة، مع النفث في راحتي اليدين ومسح الجسد كله بهما، بدءًا بالرأس والوجه وما أقبل من الجسد، وهي سنة كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص عليها كل ليلة قبل أن ينام دون استثناء. ويعرف «النفث» في اللغة بأنه نفخ لطيف مصحوب بشيء يسير جدًا من الريق، وليس مجرد نفخ هواء فارغ.
ويضاف إلى ذلك الدعاء المأثور عند الاضطجاع على الفراش والذي رواه البخاري عن أبي ذر رضي الله عنه: اللهم باسمك أموت وأحيا، وهو دعاء بسيط في لفظه لكنه يحمل معنى عميقًا في تسليم النفس كاملة لله قبل النوم.
أذكار ما بعد النوم وتشمل البيت كله
لا يقتصر التحصين على لحظة النوم فقط، بل يشمل أذكار المساء بشكل عام، ومنها الاستعاذة بكلمات الله التامات من شر ما خلق، وهو دعاء ثابت كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوله عند نزوله أي منزل أو دخوله أي مكان جديد يشعر فيه بعدم الطمأنينة.
كما ورد أن قراءة سورتي السجدة والملك من عادة النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة قبل النوم كل ليلة دون ترك ذلك، وبحسب حديث رواه الإمام الترمذي عن جابر رضي الله عنه، أما عن البيت بشكل عام، فقد ورد أن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يقربه الشيطان، وهو ما يجعل من المستحب الإكثار من قراءتها داخل المنزل لا عند النوم فقط.
ويستحب أيضًا أن ينام المسلم على طهارة ووضوء إن أمكن ذلك، وأن ينام على شقه الأيمن واضعًا كفه تحت خده، اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر، فهذه الهيئة ذاتها من الأدب النبوي المرتبط بالنوم، وليست مجرد تفصيل عابر لا قيمة له.



